إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 21 فبراير 2020

كتّاب من نفطة: د.صالح بن رمضان



زخم الذاكرة و هاجس الانتماء  في رواية "أمّ الحسن..."                              للدكتور صالح بن رمضانّ(*)
خالد العقبي
يأتي احتفائي الشخصي برواية الدكتور صالح بن رمضان البكر "أمّ الحسن..." الصّادرة في مفتتح سنة 2015 عن دار صامد للنشر ضمن سلسلتها السرديّة الجديدة "شبابيك" انطلاقا من استجابة تلك الرواية المتميّزة  لمشغل شخصي يتصل   بما بات يعرف  بأدب الذاكرة ، و هو الأدب الذي يتمحور أساسا حول ذاكرة المكان كمدخل لإحياء حميميّة  العلاقات الانسانية التي محورها الذاكرة الجماعية في علاقاتها المتشعبة بالذات  و بالأسرة    و بالموطن و بالآخر... و في تفاعلها مع المحيط المكاني   و الزماني   و التحوّلات القيميّة و الذوقيّة و المزاجية  و قد شرّفني الكاتب بمصافحة شخصيّة مفعمة بروائح المودّة الجريديّة الأصيلة عندما أرسل لي أربع نسخ من إصداره هديّة لجمعيّة حلقة نفطة للثقافة   و الإبداع التي أرأسها  و تحمل إحداها إهداء  شخصيا جميلا جاء فيه:
الصديق العزيز  ،  خالد العقبي، عربون  وفاء لبلاد الجريد و لكل مثقف أصيلي و أنت لك في القلب معزّة و سمعة ممتازة   و إلى لقاء قريب...أخوك صالح بن رمضان في    23 /01/2015 ".
فكان هذا الإهداء كفيلا بأن أحتضن الرواية بحرارة عاطفية أكبر و بحساسيّة وجدانيّة أعمق و بشغف ملحّ لقراءتها سريعا....
كنت التقيت الدكتور صالح بن رمضان في مناسبتين ،  الأولى كانت بمدينة سوسة في  صائفة سنة  1998 خلال مشاركتي في المدرسة الصيفيّة لفائدة معلّمي اللغة العربيّة   و الثانية كانت في سنة 2004 على ما أظنّ بالمعهد الأعلى للتربية و التكوين المستمرّ حين كنت أزاول الدراسة  لنيل  الإجازة في علوم التربية و كان هو يدرّس بعض الوحدات   لطلبة شعبة العربيّة . و دار الحديث بيننا في اللقاءين عن نفطة  و بلاد الجريد و حنينه الدّائم لزيارة أرض أجداده التي قاسمتها المناجم احتضانهم   و أذكر أنّه أسرّ لي برغبته الجادّة في الاستقرار بمدينة نفطة حال تقاعده بعد أن يشتري منزلا على الطراز الجريدي العتيق...
 استحضرت تلك الأحاديث المقتضبة و أنا أتتبّع محطّات حياة  "منصف عزوز" بطل الرواية  الذي تماهى بلا شكّ مع شخصيّة الدكتور صالح بن رمضان في نواح كثيرة
ميّزها تقابل جدليّ حادّ و متواتر و مهيمن  ، تقابل بين الماضي و الحاضر        و بين الشمال        و الجنوب في مستويين (شمال الوطن و جنوبه و الشمال المقصود به أوروبا و الجنوب المقصود به العالم الثالث أو النامي) و في بعدين متوازيين( البعد الحضاري /الثقافي و البعد الاقتصادي /الاجتماعي  )  و بين جيل الكهول و جيل الشباب و بين الموت و الحياة (المآتم الخصبة)      و بين الخصوبة و العقم(أشجار الحديقة، الواحة  و الصحراء، قلّة النسل...)...
و لعلّ هذه الجدليّة  المهيمنة على سيميائيّة النصّ  هي نفسها الجدليّة  المهيمنة في بنيته السرديّة  و الأسلوبيّة  فنرصد جدليّة التجريد الروائي            و مباشرة السيرة الذاتيّة ، جدليّة  الانسياب السردي و الاستطرادات الاسترجاعيّة ، جدليّة التأمّل الفلسفي   و المباشرة الحكائيّة  جدليّة المحلّي     و الكوني و جدليّة الحلم و اليقظة كلعبة إحالات  اعتمدها الكاتب  بكثافة  خاصة في آخر الرواية...
أمّا ما يؤثث أعراس الحنين في  هذه الرواية فهي فواكه منتقاة من الذاكرة الشخصيّة      و الجمعيّة ، ذاكرة المكان و الزمان و الذات و الذوق  و المشاعر و الشخوص           و الأحداث ، فقد كثّف بن رمضان هذه الفواكه       و مزجها لتصبح "كوكتالا"  من "النوسطالجيا" المنعشة تمتدّ مكانيا من نفطة في أقصى الجنوب الغربي التونسي إلى تولوز(جنوب فرنسا) و تمتد زمنيا من تاريخ عرش دريد و وفود بني هلال على تونس إلى حدود الألفيّة الثانية مع تركيز على الجيل الذهبي لعقدي الستينيات و السبعينيات من القرن الماضي (جيل الأحلام الكبرى) و تمتد ذاتيا من ولادة البطل   و ملابساتها في بلاد الجريد إلى حدود وفاته بمرض السرطان في العاصمة و تمتد ذوقيا و جماليا من تثمين الموسيقى الكلاسيكيّة التونسية التي استمدت الرواية عنوانها من إحدى الأغاني الخالدة لعلامة بارزة من علاماتها الشعبية (المرحومة صليحة) إلى ألوان من الموسيقى الغربيّة    و خاصّة موسيقى جيل ثورة الشباب سنة 1968...
و توظّف هذه الذاكرة المستحلبة  و المستخلصة بعناية   في  مقابلات  معياريّة بين الأجيال ليس لها من غاية سوى إنصاف كلّ جيل بما اختصّ به  من أمزجة و قيم  غير متنافرة     و غير متصارعة بل  متكاملة  و متعايشة       و لم ينزع بن رمضان إلى  بناء روايته على صراع الأجيال و تنافرها  يدلّل على ذلك  علاقة الشخصيات المنتقاة  بالبطل  ، إنصاف ،  سلفان (يوسف ) ، ناجي ، كما لم ينزع إلى إظهار الصراع الحضاري الغربي/الشرقي بل  جعل بين الحضارتين ترابطا ماديا و ثقافيا فجعل من المصاهرة       و الإنجاب من أجنبية حالة ارتباط و تواصل عضوي كما جعل من الحس الفني          و الجمالي حالة ارتباط و تواصل روحي و معنوي فربط بالإنسان  عوالم تبدو متنافرة     و متمايزة و متناقضة حضاريا جمّعها في شخصيات عاشت العزلة القسرية لكنها التقت  في الأخير و تآلفت حضاريا رغم الاختلاف.


 الدكتور صالح بن رمضان في سطور:
أصيل مدينة نفطة و عاش و درس في المناجم.
 هو  أستاذ الدراسات العليا للأدب العربي بجامعة منوبة  و بكلية  اللغة العربية بالرياض بالمملكة العربية السعودية  ، و مستشار بمركز دراسات اللغة العربية            و آدابها بجامعة الإمام متخصص في  مناهج تحليل الخطاب و تطبيق اللسانيات التداولية على الأدب.
من كتبه:
·       أدبية النص النثري عند الجاحظ( منشورات سعيدان تونس1993)
·       المعري و رسالة الغفران(دار اليمامة للنشر تونس 1993)
·       الرسائل الأدبية و دورها في تطوير النثر العربي ، مشروع قراءة شعرية(منشورات كلية الآداب  منوبة 2001 و دار الفارابي ببيروت  2007)
·       الخطاب الأدبي و تحديات المنهج(منشورات نادي  أبها الأدبي 1431ه)
·       التواصل الأدبي من التداولية إلى الإداراكية (منشورات النادي الأدبي بالرياض و المركز الثقافي العربي ببيروت 2015)

الخميس، 20 فبراير 2020

كتّاب من نفطة: المرحوم مصطفى عزوز


أدب مصطفى عزوز عموما و الموجه للطفل خصوصا:
 الخصائص و المميّزات و القضايا
خالد العقبي
ارتبط  الأدب العربي الحديث في تونس قبل و بعد الاستقلال  بالقضايا الكبرى للمجتمع في سيرورته   و تطوره و تحقيق كينونته الجديدة  كمجتمع طامح للتحرر من الاستعمار و التبعية متطلع إلى التنمية   و الحداثة و التقدّم  و انحصر هاجس النخبة أو يكاد في بناء الدولة الوطنية و بالتالي بناء المواطن  الفاعل و تحديد ملامحه الحضارية . و كان أبرز ما ميّز أدب  تلك المرحلة هو الطبيعة  الرسالية لمضامينه و احتوائه على جرعات  مرتفعة من التبشير و التحفيز و إلى حدّ  ما التحريض على الفعل   و العمل و المبادرة. لعل رواية "السد" للمرحوم محمود المسعدي أبرز عنوان  لهذا التوجّه التحرري  المؤمن و المبشر بقدرات الإنسان  التونسي و بضرورة تفجيرها و تحديها لكل العراقيل التي تعيق التحاق الوطن بركب الحضارة و التقدم و تحقيق الرخاء و السلم الأهلي.
 كان أدب المسعدي أدب فرد و إبداع ذات مفردة  لكنّ ظاهرة المدرسة الأدبيّة الجامعة لنفس القيم  التحررية هي ظاهرة جريديّة بامتياز  و هو ما يستدعي البحث و التحرّي  عن السرّ  وراء  احتواء جهة صغيرة و نائية  و شبه منعزلة  لطاقات إبداعيّة كبيرة   طبعت الأدب الوطني و العربي  بطابع خاص، فأبو القاسم الشابي و مصطفى خريّف و منوّر صمادح و البشير خريّف و الميداني بن صالح  و مصطفى عزوز و غيرهم كثير ،  علامات فارقة في تاريخ الأدب العربي في تونس و المغرب العربي تركت بصمات  مميّزة طبعت الذائقة الأدبية التونسية  و لا تزال بطابع جوهره الوطن و ما يعلي شأن الوطن  و ما يصلح شأن المواطن. و كما اتجه  كتاب  تلك المرحلة إلى الكهول و خاطبوا الراشدين في أغراض شتّى اتجهت ثلة منهم إلى الطفل باعتباره رجل أو امرأة المستقبل إيمانا منهم بأن  صياغة المجتمع الجديد ، مجتمع التمدن المبني على المعرفة  و الرقي العرفاني و الاعتزاز بالهوية الوطنية يمر حتما عبر أدب جيّد للطفل يغرس فيه تلك القيم و المعاني و كان المرحوم المربي  مصطفى عزوز  رائدا من رواد هذا الخيار  و حالة متميّزة من حالاته نعتز بأن نعرض لتجربته في هذه الورقة المختصرة التي لا توفيه حقه .
فبماذا تميّز أدب مصطفى عزوز؟  و ما هي القضايا التي تصدّى لها شعرا و نثرا ؟؟
مميّزات أدب الطفل عامّة :
يعرّف الدكتور  هادي نعمان الهيتي أدب الطفل في كتابه القيّم "ثقافة الأطفال" كما يلي :" ...و على هذا  فإن أدب  الأطفال  هو مجموعة الانتاجات الأدبية المقدمة للأطفال  التي تراعي  خصائصهم            و حاجاتهم  و مستويات نموهم  أي انه في معناه العام  يشمل كل ما يقدم للأطفال في طفولتهم من مواد تجسد المعاني و الأفكار و المشاعر..."(1) و يقول أيضا في نفس السياق:"  و لأدب  الأطفال دور ثقافي  حيث إنه يقود  إلى إكساب الأطفال القيم  و الاتجاهات  و اللغة  و عناصر الثقافة الأخرى  إضافة إلى  ما له  من دور معرفي من خلال  قدرته على تنمية عمليات الطفل المعرفية المتمثلة بالتفكير  و التخيل و التذكر. (2)
و نفهم من هذا أنّ لأدب الطفل خصائص ترتبط من ناحية بالطبيعة النشوئية للطفل في مساعدته على بناء الشخصيّة و هيكلة المعارف و صقل الملكات  و من ناحية ثانية  بالطبيعة الثقافية  للطفل في تشكيل معالم هويّته الثقافية بنقل القيم الاجتماعية و المهارات التواصلية و صياغة الذائقة الفنية لديه        و تزويده بمسطرة القيم الأخلاقيّة المثاليّة السائدة و المنشودة .
غير أن أغلب من كتبوا للطفل قد أجمعوا على أن ذلك ليس  بالسهل المتاح و لا هو بالهيّن المباح حيث يذكر  الدكتور محمد المنسي قنديل (روائي مصري و كاتب للأطفال)  قصّة تعليق احد كبار الكتاب بعد إعلامه باعتزامه كتابة القصص للأطفال :" لا احد يقوم  بمثل هذا الاختيار الخاطئ في بداية طريقه ، لماذا تحرم نفسك من استخدام الأدوات المتاحة لأي كاتب ، أولها أنك لن تستطيع أن تستخدم مستويات اللغة المختلفة ، و لن تكون لك الحرية في الكتابة في العديد من الموضوعات المحرمة، كالحب          و الجنس و الموت و كلها مادة الحياة ثم إنك ستبتعد رغما عنك عن الواقع لتغرق في عوالم من الوهم و الخيال ، أضف إلى كل هذا أنك تذهب بقدميك إلى  قارئ صامت لن يعطيك رأيه و لن يحفظ حتى اسمك ..."(3) و من خلال هذه النصيحة الواقعية الجافة نستطيع أن نحدد الخصائص الأساسيّة  لأدب الطفل:
·       أحاديّة المستوى اللغوي
·       محدوديّة المضامين و الأغراض
·       الإغراق في التخييل
·       الطبيعة الصامتة للمتلقي
·       الكتابة للطفل بعقليّة الكهل دائما
فهل تثني مثل هذه الخصائص كتّاب الأدب عن التوجّه للطفل و مخاطبته و بناء أواصر التواصل  الفنّي و الإبداعي معه ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)و(2) هادي نعمان الهيتي "ثقافة الأطفال" ص155/156 "سلسلة عالم المعرفة الكويتية"
(3) د.محمد المنسي قنديل(مشكلات الكتابة للطفل العربي) "سلسلة كتاب العربي/العدد 50 "ص31 (ثقافة الطفل العربي)

لقد برّر أغلب كتاب أدب الطفل اشتغالهم على هذه المرحلة العمريّة بأهميّة الأدب في بناء شخصيّة الطفل و كأنّ الدور التعليمي و التربوي لأدب الطفل هو الهاجس الأزلي لهذا اللون الأدبي  و لا يزال هذا الدور هو الطاغي حيث يستبطن أغلب الكتاب توجههم بالكتابة إلى جمهور التلاميذ و ليس إلى جمهور الأطفال؟
لعل هذا ما سيفضي بنا للحديث عن تجربة  المرحوم مصطفى عزوز  الأدبيّة من مدخل المربّي .
خصائص أدب مصطفى عزوز:
لقد كتب المرحوم مصطفى عزوز أدبا واقعيا  في مجمله وواقعيّته هي التي  حددت خصائصه الأسلوبيّة و رسمت خريطة أغراضه التربويّة و الاجتماعيّة.
بساطة اللغة و مباشرتها:
فمن حيث اللغة لم تختلف بين النثر و الشعر في بساطتها  و لم تختلف بين ما صيغ للكهول و ما صيغ للأطفال في مباشرتها  و كأنّ أحادية المستوى اللغوي صارت لازمة لأدب  مصطفى عزوز و ربّما يعود ذلك إلى تطبّع الكاتب بضوابط أدب الأطفال فانسحب أيضا على كتابته للكهول، يقول مثلا في  قصيدته عصابة في مستشفى من مجموعته(سهام)
قريبتي تقيم في مستشفى            مريضة من صدرها تعاني
فزرتها للكشف عن أحوالها        و قد سمعت منها ما دهاني
وجدتها محشورة في قاعة          فسيحة الأرجاء و الأركان
و قد حوت من  النسا نماذجا      من سائر الأعمار و الأبدان
و بنفس الأسلوب المبسّط  تقريبا يتحدّث للأطفال عن  العامل البلدي في مجموعته (الحديقة)
تحيّة خالصة                     يا عامل القمامه
فأنت خير عامل               يستوجب احترامه
في الصبح و المساء         و الصيف و الشتاء
تطوف في الأحياء            في ثغرك ابتسامه
               يا عامل القمامة
أمّا في التجربة النثريّة فقد كان مصطفى عزوز واضحا و مباشرا  في خياره اللغوي المبسّط  حيث يتعمّد على خلاف نواميس الكتابة القصصيّة ذكر المنهل  الواقعي الاجتماعي الذي يغترف منه قصصه و شخوصه و قيمه و غاياته من الكتابة   حيث يقول في فاتحة قصّته "البرتقالة" :
قصّتي التي أرويها  ليست من نسيج الخيال و لا هي من مبتدعات الأحداث "المفبركة" التي تحاك في مصانع الكتاّب و القصاصين   بل هي من صميم واقعنا التونسي التي نجد لها كثيرا من الأشباه           و الأمثال فأبطالها.أو على الأصح بطلها مازال حيا يرزق يأكل الطعام و يمشي في الأسواق و يملأ الجوّ بصخب درّاجته الناريّة التي يسبر عليها أكثر مما يسير على قدميه.
واقعيّة الأغراض و اجتماعيّة القيم:
من ناحية المضامين يتميّز أدب مصطفى عزوز بالواقعيّة و المنزع الاجتماعي المنحاز للطبقات الفقيرة و الوسطى التي ينتمي إليها بحكم الوظيفة و الوسط الاجتماعي الذي يرتبط بتلك الوظيفة  فأغلب البورتريهات التي رسمها شعرا أو نثرا هي  لفئات اجتماعيّة كادحة : المعلّم الكريم و العطوف          و المناضل في الأرياف  و الطفل الفقير المشرّد في قصّة البرتقالة ،  المدرّس في قصيدة من هو ؟ ، الشرطي ،  العامل البلدي (من مجموعته الحديقة) الصامدون ،يا أيها المسجون ، العانس(من مجموعته المسامير و المزامير) الموظف ، أبو السبعة ، عصابة في مستشفى (من مجموعته سهام) كلّ هذه الحالات الاجتماعيّة المستمدّة من الواقع هي المادّة التي تشكّل أعمال مصطفى عزوز  و يشكل انحيازه الأخلاقي لها مدخلا لإصلاح المجتمع و طلب العدل بين مختلف فئاته  لذلك يتضمّن شعره و نثره  دعوات دائمة للعدل و صرخات مستمرّة للتنبيه من مظاهر الخلل الاجتماعي الذي يتفشى في المجتمع وهي أشبه ما تكون بالاحتجاجات المصاغة شعرا:
قصيدة "رسالة مفتوحة" من مجموعته "مسامير و مزامير"
يا رجال البلديّة
يا أباة الضيم يا أهل الحميّه
مرحبا أهلا و سهلا
و سلاما و تحية
هذه اللوحات فيها
طلبات منطقية
تقتضي منكم حلولا
في الضحى قبل العشية
الرجا أن تقرؤوها
بتأن و رويّة



و اسمعوا  صرخته في وجه فقير يضاعف فقره بكثرة الإنجاب في قصيدته "أبو السبعة" من مجموعته (سهام)
هل في دماغك عقل ؟ قلت منفعلا             لم أستطع مسك أعصابي و أقوالي
فكيف تنجب سبعا ؟ هل جننت أخي؟             تصرّف أخرق من صنع جهّال
أنجبتهم هكذا في غير ما نظر                   ترمي بهم للخلا كالأرنب الجالي؟
و انتبهوا لنقده اللاذع لبعض الانحرافات السلوكيّة  في قصيدته "لا بالتعرّي نرتقي ؟؟" من مجموعته (سهام):
كم من صبايا و اللقا        يذكي صبابات و حب
لا شيء يخفي عورة     يقضي الحيا أن تحتجب
ما ثم إلا  سترة            في حجم  أوراق العنب
فقلت قم يا صاحبي            خير لنا أن ننسحب
الحسّ القومي ، هاجس و مبدأ:
تفاعل المرحوم مصطفى عزوز  مع قضايا أمّته العربيّة  و عبّر بصدق و حماس عمّا يعانيه العرب من واقع التشرذم و الهوان و تكالب الأمم عليهم  خاصّة في بداية عقد التسعينيات و يبدو أن غزو العراق و سقوطه في براثن الاستعمار و الفوضى قد أثر فيه تأثيرا  بالغا  وهو ما ضمّنه في مجموعته "سهام" شعرا  ناقدا ثائرا رافضا و محتجا على هذه الأوضاع و قد تناولت ستّ قصائد هذا الحال وهي (سقط القناع/مجلس الكيل و الوزن/عشرون  ثم ثمانية/مأساة الصومال/يا قادة الوطن العربي/مجمع الأمم "المتخذة")
و لنأخذ مثلا مقطعا مؤثرا من قصيدته"سقط القناع" تأثرا  بحادثة قصف ملجأ العامريّة في بغداد :
يا أيّها  النازي اقترفت نذالة           و أتيت جرما ما أتاه سواك
دمرت بالنار  المبيدة ملجأ          يحوي النساء و صبية تتباكى
ماذا جنى أطفالنا  و نساؤنا           حتّى يلاقوا بطشك الفتاك ؟
أبدا تضيع دماؤهم مهدورة            يوم اللقاء يكون يوم جزاك
لما عجزت عن الوصول لجيشنا     تلقى رجومك هاهنا و هناك

الحسّ الدّيني و الهويّة الروحيّة هاجس المربّي و المصلح:
يقول المرحوم في  تقديمه لمجموعته الحديقة ما يلي : "...فقد توخيت في هذه المجموعة بعض  المقطوعات  الشعرية ذات الطابع الديني و غايتي من ذلك تكريس العقيدة الاسلامية و غرس روح الإيمان بالله في نفوس الناشئة" ، و هذا الخيار هو استكمال و تتويج للخيار الإصلاحي في تجربة مصطفى عزوز حيث يعتقد أن البناء الروحي  و الإيماني  لازمة من لوازم الإصلاح الاجتماعي        و بناء الأجيال بعيدا تلك القيم الدينية  و عدم تزويدها بمسطرة قيم روحية صحيحة و ثابتة ما هو إلا حرث في الماء كما يقال مع التأكيد على  إعلاء صفات الرحمة و العدل و الاستنارة التي يتصف بها الخالق ، فلتسمعوا لهذا الابتهال الرائع في مجموعته "الحديقة":
إلاهي أنت مولانا           رحيما واهبا خيرا
فإن كانت خطايانا       تفوق العد و الحصرا
فأنت العفو و اللطف
 و منك الصفح و العطف
مزايا لست أحصيها      و نور الحق في قولك
عطايا أنت مسديها     و كل الخير من فضلك
فوفقنا إلى ذكرك
و ألهمنا إلى شكرك
إلى التوحيد مسعانا       إلى التوفيق و اليمن
و عين الله ترعانا         كفى بالله من عون
و أنت الله سبحانك
فأدركنا بإحسانك
إليك الكف قد مدّت     رجاك القلب و الروح
إذا الأبواب قد سدّت    فباب الله مفتوح
كريم ماله حدّ
عظيم ماله ندّ


خاتمة:
هذه قراءة متعجّلة لتجربة غنية و رائدة في الكتابة الشعريّة  لمرب فاضل و مناضل  نعتذر عن  اقتضابها على أمل أن تتوفر المناسبات الأخرى لنسلّط أضواء أسطع عليها ، و ما أحصيناه من خصائص و ما حددناه من أغراض ما هي إلا مدخل  لمزيد الكشف و التنقيب في إضمارات الشاعر اللامتناهية  فقد اكتشف شخصيا البعد الموسيقى لشاعرنا و ملازمة العود له في العمل و خارجه و هو ما يحيل إلى  بحث آخر أكثر ثراء...
لقد جمع شاعرنا بين غايات متعددة في تجربته فكانت التربية و الإصلاح و الترفيه و النقد و الإيقاظ الأخلاقي و الديني  و الاحتجاج و الرفض و التبشير غايات نذر الشاعر حياته الأدبيّة لها فساهم في بناء جيل  متوازن مشبع بكل تلك القيم التي تغنى بها الشاعر مساهم بفعالية في بناء الوطن  متجذّر في تربة البذل و العطاء و ما أحوجنا اليوم أن نعيد بذر تلك القيم في أجيالنا الراهنة التي تعاني الفراغ القيمي و المثال الأخلاقي و إلى حد كبير الحسّ الوطني و المسؤوليّة المجتمعيّة.








الثلاثاء، 22 يناير 2019

أوضاع

يعتبر تصاعد الاحتجاج المطلبي و أعمال العنف و الجريمة و استفحال الفساد     و تهميش الدولة من علامات الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد في ظل لا مبالاة غريبة من طرف السلطة السياسية  المشغول رأسها الحكومي بتأمين شروط وصوله إلى أعلى هرم السلطة في  انتخابات السنة الحالية  2019
و بمباركة طبقة سياسية انتهازية  تتجمع في حالات الاعداد لغنيمة و تنفض عند أول فشل و هو ما حصل عند تأسيس هذه الطبقة لحزب نداء تونس.
الكل يستثمر في الأزمة كسبا للمواقع و جريا وراء توظيف جوع المواطنين فتنشط الجمعيات الخيرية على أشدّها هذه الأيام من قطر الخيرية إلى جمعية خليل الخير مرورا بعشرات المقاولين الصغار لهذه الأذرع السياسية الملتحفة بغطاء إنساني. في خضم هذا المشهد البائس يبدو الاتحاد العام التونسي للشغل  الأكثر وعيا بما يفعل و ما يعلن :
تعديل ضروري للمقدرة الشرائية للأجراء  لا تنازل عنه
مشاركة قادمة في الحياة السياسية ضمن الأفق الديمقراطي الاجتماعي التقدمي.
و هو ما يجلب له راهنا حنق و كره التوافق الانتهازي اللبرالي المتوحش  المتمثل أساسا في حركة النهضة  الوكيل الديني للمشروع الأمريكي عبر العراب القطري و التركي  و الحزب المنتظر لمعسكر الضباع الجائعة الملتفة حول يوسف الشاهد الوكيل المدني للمشروع الأمريكي في تونس.
بقيت عديد القوى المتذبذبة بين هذا و ذاك تنظر فوات القطار حتى تتحسر في كل مرة عن توحيد الصفوف و رص الأكتاف ضمن الخط الوسطي أو توحيد اليسار...تلك الشعارات التي أصبحت أشبه ما تكون بلطميّة شيعية  تتنهي بانتهاء عاشوراء..

خالد العقبي

السبت، 22 مارس 2014

أخبار نقابيّة




اللجنة الثقافيّة النقابيّة بالاتحاد الجهوي للشغل بتوزر

في إطار تفعيل الاهتمام بالدّور الثقافي  للنقابات  و تفاعلا مع لوائح مؤتمرات  الاتحاد العام التونسي للشغل التي  تؤكّد على "وجوب إيلاء الثقافة ما تستحق من عناية باعتبارها مقوّما  أساسيا من مقوّمات الاستقلال الوطني في عالم يشهد غزوا ثقافيا و إعلاميا كاسحا تجنّد له الطاقات التكنولوجيّة الهائلة يهدف إلى  التمكين لثقافة نمطية تحدّ من التنوّع الثقافي الإنساني و تمهّد لفرض نمط استهلاكي واحد يخدم مصالح الدّول الكبرى و الشركات الفوق قوميّة" ( المؤتمر الثاني و العشرون 2011 المنعقد بطبرقة ).
و سعيا لاحتضان الطاقات الإبداعيّة لدى النقابيين  من أجل التأسيس لثقافة بديلة  متأصّلة و منفتحة و تقطع مع سلعنة الإبداع و  الترفيه و احتكارهما  و استجابة  لندوات أنجزت في الغرض (جرجيس 2012) .
فقد قام قسم الإعلام و الاتصال الدّاخلي و المرأة و الشباب العامل و الجمعيّات بالاتحاد الجهوي للشغل بتوزر  ببعث لجنة من النقابيين المبدعين و المهتمين بالشأن الثقافي  تهتمّ بالثقافة  و يكون من بين  أهمّ مهامها :
1) الإشراف على تأثيث الاحتفاليات في المناسبات  النقابيّة  و الوطنيّة و القوميّة   و العالميّة ( ذكرى تأسيس الاتحاد ، ذكرى اغتيال الزعيم فرحات حشاد ، ذكرى يوم الأرض، عيد الشغل العالمي ...)
2)  بعث نوادي ثقافيّة قارّة  لتأطير المبدعين النقابيين و أبناء النقابيين
3) تنظيم فعاليات  إبداعيّة  نقابيّة في مختلف الفنون
4) الإعداد للتظاهرات الثقافيّة التي ينظمها الاتحاد أو يشارك فيها (على غرار المنتدى الاجتماعي العالمي ، مهرجان الإبداع النقابي الذي افتتحت دورته الأولى في الكاف  في نوفمبر 2013، المشاركة في ملتقى الشعراء النقابيين ...)
5) عقد توأمة مع تجارب  ثقافية نقابيّة مشابهة في اتحادات جهويّة أخرى و تبادل الخبرة )

و تتركّب اللجنة من مكوّنين  اثنين :
1) مجموعة  من المبدعين  النقابيين .
2) مجموعة من أعضاء نقابات  القطاع الثقافي بالجهة .
سيقع الإعلان عن أسمائهم في القريب العاجل .



السبت، 8 يونيو 2013


حملة الوفاء لنفطة : تحرّك نوعي  و تفاعل محتشم

في إطار الحراك المدني و الاجتماعي  بمدينة نفطة  و أمام  تباطؤ الجهد التنموي منذ ما بعد الثورة رغم حاجة المدينة  إلى نقلة نوعيّة في مستوى بنيتها الأساسيّة    و موارد الرزق فيها حيث عانت كثيرا من التهميش و الاستثناء  على خلفيّة مواقف أهلها الرافضة للظلم و الاستبداد على امتداد العهدين البورقيبي               و النوفمبري  و لعلّ أهمّ مظاهر ذلك الرفض هو تفجّر أولى الانتفاضات الاجتماعيّة في ما سمّي بأحداث فيضانات نفطة  سنة 1990  التي قمعها نظام بن علي بشراسة زاجا بالعشرات من أبناء نفطة في السجون و متخذا منذ ذلك الوقت موقفا عدائيا تجاه تلك الجهة و أهلها  مما جعلها اليوم في أمس الحاجة إلى عناية الدولة  و دعمها  و تعويضها عن سنوات الحرمان التنموي.
و في هذا الإطار تنادت مكوّنات المجتمع المدني من جمعيات و منظمات و أحزاب  إلى  تنظيم حملة  تحسيسيّة بالقضايا التنمويّة  لمدينة نفطة يطمح من خلالها إلى لفت أنظار الرأي العام المحلّي و الوطني  و أصحاب القرار إلى أوضاع  المدينة  التنمويّة و الاجتماعيّة فضلا عن خلق إطار أهلي للتفاعل مع هذه الاستحقاقات في حركة مدنيّة غايتها  تأطير الحالة المطلبيّة المتنامية و ضمان سلميّتها .
و قد تمثّلت أهمّ أنشطة الحملة في  تنظيم موائد مستديرة حول قطاعات السياحة     و الصحّة و التشغيل و الفلاحة و المياه و الصناعة  و التربية و الثقافة  وذلك بحضور المشتغلين بتلك القطاعات و بعض الخبراء في الميدان  لصياغة جملة من التقارير الموثقة  و المبوّبة ترفع لاحقا إلى الجهات المعنيّة  بالإضافة  إلى ترويج عريضة  تتضمّن أهمّ أولويات التنمية بمدينة نفطة  هذا نصّها :
نحن أهالي مدينة نفطة و أمام انسداد  آفاق التشغيل و التنمية و استمرار عملية التهميش  لمدينتنا  و حرصا  منا على التعبير السلمي عن مطالبنا  الشرعية كي لا تتفاقم  حالة الاحتقان الاجتماعي  بمدينتنا  فإننا ندعو  الحكومة و المجلس الوطني التأسيسي إلى :
1) توفير مواطن الشغل اللائقة  لشباب المدينة بما يضمن  التخفيض الفعلي  لنسبة البطالة  البالغة في جهتنا 28,4 بالمائة  و ذلك من خلال  إعطاء أولويّة لهذه الجهة عند الانتداب في الوظيفة العمومية و غيرها من القطاعات.
2) توفير الكميات الضرورية من مياه الري  للواحة و ذلك  بعد تقييم  علمي         و ميداني  لمردودية الآبار الحالية و وضع استراتيجية واضحة لحفر آبار جديدة  مع مراجعة التسعيرة  المعتمدة من طرف الشركة التونسية للكهرباء و الغاز.
3)طرح ديون صغار الفلاحين  إثر الجائحة التي عانوا منها لموسمين متتاليين      و التفكير في بعث ديوان وطني للتمور.
4)إعادة النظر في  مسالك توزيع  الأعلاف و تسعيرتها  بما يضع حدا  نهائيا  لظاهرة الاحتكار.
5) التمسّك بإنجاز المشاريع المدرجة بميزانيات 2012 و 2013 و رفض أيّ  محاولة لإعادة إدراجها ضمن ميزانية 2014.
6) دعم مناخ الاستثمار في القطاع السياحي و تذليل صعوبات المستثمرين الراغبين في شراء الوحدات السياحية المغلقة .
7) إخضاع شركات  الإحياء إلى تقييم موضوعي و استرجاع كل المقاسم التي لم يلتزم أصحابها بكراس الشروط و توزيعها  على مستحقيها  من شباب المدينة المعطّلين عن العمل.
8) المطالبة العاجلة بحضور وفد وزاري إلى مدينة نفطة لمعاينة أوضاعها         و تقدير احتياجات أهاليها و الاستماع إلى تطلّعاتهم.

و قد انطلقت فعاليات الحملة بعقد أولى الموائد الحواريّة  حول قطاع السياحة  الذي شارك فيه ممثلون عن بعض الوحدات السياحية المغلقة  و نقابة التوجيه السياحي و المندوبيّة الجهويّة للسياحة و عمّال السياحة  و المتاحف السياحيّة  و كان الحوار  ثريا أبرز حجم المشاكل و التراكمات السلبيّة في وضع هذا القطاع بمدينة نفطة مما دفع منظمي الحملة إلى تحديد جلسة استماع ثانية  كما انتظمت مائدة حوار ثانية  حول قطاع التشغيل  حضرها ممثلون عن التنسيقية المحليّة لاتحاد أصحاب الشهادات المعطّلين عن العمل  و عن المجتمع المدني و بعث المهتمّين بتنمية مدينة نفطة  و قد تميّز الحوار بالثراء و الجديّة في الاقتراحات  و لا تزال فعاليات الحملة مستمرّة  إلأى غاية يوم 24 مارس ليتمّ في تجمّع شعبي بدار الاتحاد المحلّي للشغل عرض التقرير النهائي للحملة  قبل رفعه إلى الجهات المعنيّة .

خالد العقبي